أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )
56
الدر المصون في علوم الكتاب المكنون
1223 - يا دارميّة بالعلياء فالسّند * أقوت وطال عليها سالف الأبد « 1 » أن « بالعلياء » حال من « دارميّة » ، وكذلك « أقوت » . والثالث من وجوه « يؤتى » أن يكون خبر مبتدأ مضمر أي : أنت تؤتي ، فتكون الجملة اسمية ، وحينئذ يجوز أن تكون مستأنفة وأن تكون حالية . وقوله : « تَشاءُ » أي تشاء إيتاءه ، وتشاء انتزاعه ، فحذف المفعول بعد المشيئة للعلم به . فحذف كقوله : « تَقِيكُمُ الْحَرَّ » « 2 » أي : والبرد ، وكقوله : 1224 - كأنّ الحصا من خلفها وأمامها * إذا نجلته رجلها حذف أعسرا « 3 » أي : ويدها : وقال الزمخشري : « فإن قلت : كيف قال : « بِيَدِكَ الْخَيْرُ » فذكر الخبر دون الشر ؟ قلت : لأن الكلام إنما وقع في الخير الذي يسوقه اللّه إلى المؤمنين ، وهو الذي أنكرته الكفرة ، فقال : بيدك الخير تؤتيه أولياءك على رغم من أعدائك » انتهى . وهذا جواب حسن جدا ، ثم ذكر هو كلاما آخر يوافق مذهبه لا حاجة لنا به ، وقيل : هذا من آداب القرآن حيث لم يصرّح إلا بما هو محبوب لخلقه ، ونحو منه قوله ( والشرّ ليس إليك ) وقوله : وَإِذا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ « 4 » . والنّزع : الجذب ، يقال : نزعه ينزعه نزعا إذا جذبه عنه ، ويعبّر به عن الميل ، ومنه : « نزعت نفسه إلى كذا » كأنّ جاذبا جذبها ، ويعبّر به عن الإزالة ، « نزع اللّه عنك الشرّ » أي : أزاله ، « ينزع عنهما لباسهما » أي : أزاله ، وكهذه الآية فإنّ المعنى : ويزيل الملك « 5 » . [ سورة آلعمران ( 3 ) : آية 27 ] تُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهارِ وَتُولِجُ النَّهارَ فِي اللَّيْلِ وَتُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَتُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَتَرْزُقُ مَنْ تَشاءُ بِغَيْرِ حِسابٍ ( 27 ) قوله تعالى : تُولِجُ : كقوله : « تُؤْتِي » وقد تقدّم ما فيه ، ويقال : ولج يلج ولوجا ولجة كعدة وولجا كوعد ، واتّلج يتّلج اتّلاجا ، والأصل : اويلج يولج اويلاجا ، فقلبت الواو ياء قبل تاء الافتعال نحو : أيعد يعد ايعادا قال الشاعر : 1225 - فإنّ القوافي تتّلجن موالجا * تضايق عنها أن تولّجها الإبر « 6 »
--> ( 1 ) انظر ديوانه ( 9 ) ، الكتاب 2 / 321 ، العيني 4 / 496 ، الهمع 1 / 223 ، الخزانة 2 / 125 ، الإنصاف 269 . العلياء : المكان المرتفع ، السند : السفح موقع ما بين القمة والوادي أقوت هجرها أهلها ، والسالف : الماضي . وانظر شرح المعلقات للزوزني ( 191 ) ، شرح المعلقات للشنقيطي 141 ، شرح القصائد لابن النحاس ( 157 ) . شرح القصائد للتبريزي ( 349 ) . ( 2 ) سورة النحل ، آية ( 81 ) . ( 3 ) تقدم . ( 4 ) سورة الشعراء ، آية ( 80 ) . ( 5 ) سورة الأعراف ، آية ( 27 ) . ( 6 ) البيت لطرفة بن العبد انظر ديوانه ( 37 ) ، الخصائص 1 / 14 ، ابن يعيش 10 / 37 ، العيني 4 / 581 ، التصريح 2 / 390 ، أوضح المسالك 3 / 338 . يتلجن : يدخلن ، الموالج : مفردها المولج وهو المدخل .